حديث الحوار

  • حميد غانم

الإنسان مدني بالطبع، وإن شئنا أن نضيف إلى هذا المعنى ما يضبطه قلنا بأن الإنسان كائن اجتماعي .ومن لوازم الاجتماع الحوار الذي تمليه ضرورات التواصل، حيث لا ينفك الإنسان عن كونِه محاوِرا ومُحاوَرا تلبية لحاجات أساسية لا يمكن العيش من دونها،أو إشباعا لرغبات تكفل الاستجابة لها التوازن النفسي والانسجام مع المحيط.

قد تنصرف أذهان الكثيرين عندما نكتب عن الحوار أننا نخوض في الشأن السياسي وإن كان ذلك لا يُعَد شططا على مستوى الجهاز المفاهيمي لدى هذه الفئة التي تستهلك مفردات اللغة من بلاطوهات الفضائيات التي توحي إلى المشاهد(الكريم ) أن الحوار مصطلح سياسي،مرتبط بلجنة ولها أجندات تنتظرها للخروج من هذه الحالة الاستثنائية.كلُّ ذلك حريّ بالتثمين والدعم، ولكن ثمة مقامات أُخَرُ للحوار تعلمناها من تراثنا ومن ثقافتنا الأصيلة، نقرؤها ولا نُلقي لها بالا.

حاور الله ـ عز وجل ـ إبليس وهو شرّ مخلوق بل وملعون في أوج لحظات تمردّه، وكان قادرا على أن يحرقه أو ينسفه بين (الكاف والنون) ، ولنتمعن هذا المقطع من سورة الإسراء على سبيل المثال :”وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرّمتَ عليَّ لئن أخرتنِ إلى يوم القيامة لأحتنكنّ ذرّيته إلا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤُكم جزاءً موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلبْ عليهم بخيلك ورَجِلِك وشاركهم في الأموال والأولاد وعِدهم وما يَعِدُهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربّك وكيلا “

 وهذا ربّ العزة يخاطب نبيه في شأن المرأة التي حاورته شاكية زوجها إليه،وقد يبدو هذا شأنا دقيقا بالنظر إلى جلائل الأمور التي كان يهتم لها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ :”قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما…”سورة المجادلة .

وفي سورة الكهف نقف على حوار بين صاحب الجنتين المغترّ بنعمته،إلى حدّ التباهي على صاحبه متواضع الحال،إلى حد أن ذلك الرفاه حدا به إلى الكُفر بالمُنعم ،وإنكار البعث،حيث يرد صاحبه المؤمن على خطابه المتعالي المستكبر بأدب وحكمة،ويرشده إلى ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمن إن أصابته سرّاء:”قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرتَ بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوّاك رجلا لكنّا هو الله ربي ولا أُشرك بربي أحدا ولولا إذ دخلتَ جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن تَرَنِ أنا أقلَّ منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتينِ خيرا من جنتك ويرسل عليها حُسبانا من السماء فتصبح صعيدا زَلَقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا ” سورة الكهف.

ولعلنا من خلال هذه النماذج، وغيرها كثير مما لا يتسع المقام لذكره، نستشعر حاجتنا الماسّة إلى ممارسة الحوار لحلحلة كثير من العقبات التي تُكَدِّر أمزجتنا،لاسيما وأن أغلبها مردُّه إلى علاقتنا بالآخر، وغالبا ما يكون ذلك ناتجا عن سوء فهم أو سوء تفاهم .