اللهم اهدم هذا المعبد … على من فيه !

كنت في الحقيقة أرغب في كتابة حلقة أخرى من إحدى رواياتي، علّني بذلك ألتحق برُكب الطبع والنشر، لكنّني توقّفت على نقُطة تقتضي التمعّن والخوض فيها على شكل مقال رأي يُخاطِب ” المسؤولين المثقّفين ” .. الذين انتهلوا من مشارب كُتّاب شواذ !، الذين راجعوا دروسا واهية ولُقّنوا عُلوما ضارة … فاللهم إنا نعوذ بك من عِلمٍ لا ينفع !.

دون إطالة ودون استخدام أساليب جذب القارئ، ندخُل إلى الموضوع مباشرة، موضوعٍ هام سيجعل موظف الإدارة يُقسِم على الفُرقان أنّه لم يقرأ منه سطرا خشية عقاب ألّا يقبض دنانيره البخسة نهاية الشهر، موضوعا سيجعل دهماء القوم يغادرون المكان ! ، ذلك أن ربّهم الأعلى من بيده أرزاقهُم هو المنشود من هذا الكلام، ذلك أن العبيد جُبلِوا عن المرافعة لسيدهم بقسوة أكثر منه حتى … تحت وطأة الجلّاد، هُم يشعرون غريزيا بأن تحطيم الصنم سيجعلهم قوما يشعرون بالضعف دون إله … عوض أن يرتقوا ويبحثوا عن إله أفضل !.

ذاك الإله الذي تعبدون هو نِتاج نظام رفضه الشعب تحت وسم ” يتنحاو قاع “، وإذا كان بوتفليقة الرئيس قد تنحّى بعدما أصبح الرأس اليافع و الكبير بين مُجمل المطالب فتمّ استئصاله كأن لم يكُن يوما، فما بالكُم من وُلاة تم تنصيبهم وتعيينهم في حركة ولاة في مرحلة بوتفليقة نفسها قبل أن يبدأ الحراك أصلا !، هُم بحُكم مناصبهم يُمثّلون رئيس الجمهورية في ولاياتهم، أي أنهم باختصار مُخلّفات النظام التي وجب أن يُغادروا أوّلا وليس الأمر كما انفردت الجلفة في مفهومها الخاص بمرجعية ” سيدك عيسى ” !، وباجتهاد كبار القوم ومنبوذيهم  أنّ الولاة غير معنيين بـ ” يتنحاو قع ” !، تحت شعار : ” نروحو حنا وما تروحش نتايا ” … محاولة منهم لتغييب مفهوم أنّ الولاة هم الأوائل في العملية الحراكية بحُكم أنهم ممثلو الرئيس عبر الولايات، ولو كُنّا في زمنٍ يحتكم المسؤول فيه إلى مباديء معيّنة، كان الأجدر بكلّ من عينّهم بوتفليقة ضمن مراسيم رئاسية سابقة تقديم استقالتهم على الأقل كي يحفظوا ماء وجوههم على الأقل، لأن الشارع لفظهم جميعا ونطالبه لا تزال قائمة في رحيلهم.

فرقٌ شاسع بين مناقشة الأفكار ومناقشة الأشخاص، لذلك سنناقش الفكرة هنا بوالٍ لم نتوسّم فيه الخير من منشئه كربّ للقرية عندما بالغ في مُجاملة من تطلقون عليهم اليوم وصف  ” الزواف “، والبداية كانت بمنح رئيس الديوان ذاك ( الذي كُنتم تعبدونه هو الآخر ذات يوم ) لوحة تحكّم الجلفة من جديد، إلى غاية الاحتفال برأس السنة الأمازيغية بحماسٍ زائد بُغية السهر على تطبيق برنامج فخامته .. ولا أقصد هُنا ” الكادر ” بل فخامة وزير الداخلية السابق والوزير الأول حاليا، أذكر أن الأمر امتد يومها حتى إلى صبغ مدخل المدينة بألوان المثليين ولم نر أحدا يتكلّم عن الأمر ! .. حدث ذلك قبل 22 فيفري عندما كُنتم نِياما يا قطط ” السيامون ” .. ذات الشكل الجميل وصاحبة المخالِب الناعمة .. الذين أقصى ما تفعلونه مُجرّد ” تخباش ” سُرعان ما يندثِر بحُكم البيولوجيا، إنكم تُشبهون في خربشاتكم ما تفعله عاشقة مع عشيقها على السرير … تستخدِم أسنانها وأظفارها لتترك علامة توحي بأنها موجودة، لكن تلك العلامة سُرعان ما تختفي بمُجرّد مُضي أيام بعد ذلك اعتبارا لعوامل علمية تقتضي أن يُغيّر الجلدُ نفسه … تماما مثلما يُغيّر ذات النظام جلده  ويُبعث من جديد هاته المرة تحت تصفيقاتكم الحارة !.

طبعا .. لن نخوض في شؤون التنمية وتوقفها منذ زمن طويل بالجلفة، ولنعتبِر ذلك من مُجمل الأقدارِ والمكاتيب في القاموس المحلي، رغم أن غيرنا في الولايات كفروا بهذه المفاهيم واحتكموا إلى العقل فتطورّت ولاياتهم، فنحن لا زلنا نشمئز من المستقبل ولا نبحث عنه بحجة أن ذلك عيب وحرام .. إنّه المستقبل المشتق من علوم الغيب التي لا يعلمها غير الله جلّ وعلى ولا يجدُر بنا الخوض فيه !، رغم أن الله ميّزنا بالعقل عن سائر الكائنات كي نُفكٍّر ونصيب  تكهنّاتنا، فكُلّ ما نتج عن تفكير سليم يأخذ شكل توقّعات مضمونة، إلّا أننا للأسف نقول عمّن لم يجتهد يوما ولم يقدّم شيئا عبر مشواره : ” سبحان الله .. هذا الإنسان فاشل “، في حين أننا في نفس اللحظة نقول لمن اجتهد عندما يبذل جُهدا كبيرا في القراءة والتحليل ومحاولة الاستشراف : ” سبحان الله … هذا الشخص كافِر وزنديق، إنّه يُحاول أن يبلغ مقام الخالق ويبحث عن علوم الغيب !! ” …ولهاته الأسباب نعود إلى محور المقال لنبلغ القضية من مُنتهاها … أن تذهب التنمية ومُجرّد التفكير فيها إلى الجحيم، ذلك أن التنمية كافرة من أهل جهنّم … لأنها تقوم على التحليل الدقيق والإحصائيات والاستشراف.

الفرق بين المواطن الجلفاوي و ” الزوافي ” كما تسمّونه، أن هنالك حادثتين من الواقع سأسرُدهما تِباعا، واخترت أن تكون البداية من إحدى بلديات تيزي وزو، عندما نزل والي الولاية وقتها إلى تلك بلدية مهمشة فقابله أحد المواطنين وقال له : ” يا خويا .. هذا المكان تعود ملكيته بالوِراثة لي فكيف تسجّلون به مشروعا عاما للدولة ؟ “، فقال له الوالي : ” يا فخامة المواطن … إنّ هذا المكان مِلكٌ للدولة ولنا كممثلين لها حُرية التسيير وفق ما يقتضيه القانون والإستراتيجية، هذا المكان ملكٌ لنا وإذا كان لديك وثائق تُثبت عكس ذلك فقدّمها لنا الآن”، أجابه المواطن البسيط : ” لا أملك وثائق .. لكنّ جدّتي رحمها الله أخبرتني أن هذا المكان لنا  … وجدّتي لا تكذب عكسكم  أنتم “،  أمر الوالي بعد ذلك بإلغاء المشروع وإعادته لأصحابه، لأنه يمتلك خاصية استشراف قوية ويعلم أن مُجرّد الطعن في رواية جدّة هذا الشخص ستكلّفه غاليا.

أما الواقعة الثانية التي تخصّ منطقتنا تقول أن أحد الوُلاة السابقين كان يركب سيارته الفخمة في زيارة رسمية إلى إحدى البلديات النائية وقد كان واليا مُعينا حديثا آنذاك وكان يركب بجنبه رئيس المجلس الشعبي الولائي، عندما وصل الوالي إلى البلدية المعينة استقبله أهلها بالأهازيج والاحتفالات والبارود، استغرب الوالي واندهش … ثم  نظر إلى رئيس المجلس الولائي قائلا : ” هاذو ڨع نحكم فيهم أنا ؟ ! “، فقال له رئيس المجلس : ” نعم سيدي الوالي .. هاذو ڨع وزيد معاهم أنايا “.

  • بدر الدين قرماط