خطاب الحداثة وخطاب القداسة

  • أبو الخير عماري

إنّ الإصرار على فرض القديم ورفض الجديد والاستمرار في بقائه لا يعدو أحد الأمرين : إمّا أنّ المتشبّث بالقديم رانت على قلبه عوالقه فلا يستطيع الحياد عنه، وإمّا أنّه يكرّس استمراريته بقاءً لمصالحه المادّية والسياسية والإدْيولوجية … والحالة الأولى ذات صلة بالأبعاد الوجودية والسيكولوجية وحتّى الثقافية للأفراد والجماعات؛ بينما في الحالة الثانية فَإنّ إحلال الجديد يعني لديهم إزاحة لهم ولزمنهم ونهاية منافعهم الدنيوية فتكون حالتهم مرتبطة بالصراع سليل البنية الجدلية على صعيد الفكر أوالدين أو العرق أو الجنس أو المال أو الحُكم … ومن هنا يكون الرفض للجديد والفرض للقديم، ثمّ الاستماتة في بقائه ولو أدّى ذلك إلى الإبادة أو حتّى الإفناء التامّ للطرف الآخر ولا داعيَ للتمثيل فالتاريخ مليء بالشواهد عندنا أو عند غيرنا ويكفي ما جايلتموه من أحداث للتاريخ العربي الراهن في “الربيع العربي” ناهيكم عمّا حدث في العهدين : (النبوي والراشدي) والصراع السنّي ـ الشيعي وتدافع الدولتين الأموية والعبّاسية والحروب الإسلامية الصليبية والمعسكرين الاشتراكي ـ الرأسمالي والعولمة والإرهاب … دون أن ننسى دواليب الحروب القديمة الفارسية والإغريقية والفرعونية والرومانية انتهاءً وابتداءً بمقتل “هابيل” والالتذاذ الأوّل باستمرار مسيرة الدم وكأنّ متتالية السفك تعود إلى حيثية وجودية سابقة على الخلق وكلّ ما دوّنه التاريخ ليس في النهاية إلّا تركيحاً لمشهديات مسطورة في عقل قديم جدّاً لا يُريد للإنسانية أن تسلك طريقها الصحيح نحو النور؛ كائن إيبوفروني حاقد على الجنس البشري هوايته المفضّلة سفك الدم البشري. وقد جاءت فلسفة الحداثة بكلّ المفاهيم الواقعية والحلول الممكنة المواجهة للصراع في خطابها التنويري كالحرّية والمواطنة والاختلاف وقبول الآخر ورفض العنف والاحتكام لروح القوانين … لكن كلّ تلك المفاهيم وُوجهت بأحد الخطابين : الخطاب الاستبدادي والخطاب الكهنوتي وكأنّ الثنائية المتعاونة بين الكاهن والملك مستمرّة في دحض الخطاب الحداثي لا تُصغي إلى الآخر الداعي إلى خطاب التغيير بل تصدّه في حالة من اللعب كما حصل من قريش ضدّ الخطاب القرآني الداعي إلى الإحداث والتحديث : “مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ” .. وهنا ننتبه إلى حيثية مهمّة وخطيرة من جهة تمييز الخطاب الكهنوتي المكرّس للقديم وإبقاء المتلقّي في حالة من النسيان مع إيقاف جهة “الميزاجور” لديه فلا يتذكّر ولا يفكّر ولا يتلقّى الجديد ممّن لديه القوّة المطلقة والقدرة الكاملة صاحب النور الأزلي الّذي أوجد الجنس البشري وأحبّه وفضّله على كثير ممّن خلق تفضيلاً؛ هذا الخطاب الوارد يُطلق عليه القرآن الكريم مصطلح “الذِكر”كملفوظ مواجه للنسيان والموصوف بالحداثة كمواجهة للقدامة حيثُ يعمل تفعيل الذاكرة الإنسانية وتنبيهها على التحيينات المطلوبة للخروج من حالة الارتداد نحو الوراء زمنياً والقُبوع في سراديب الماضي والعلوق بذاكرة ماضوية مظلمة لا تُنير الحاضر ولا تستشرف المستقبل معَ تكريس لسلطة الكهنوت الماثلة بصولجان الدين على سواء بين الأديان عامّةً والدين الإسلامي خاصّةً؛ فالربّ الّذي يُريد لي امتلاك الذاكرة المحيّنة والميزاجور النوراني المتّصل بسبيل النور لا سبيل الظلمة هو ذاته من أنزل كتبه السماوية لمحاربة الكهنة والسدنة وجُند “إبليس اللعين”، هو يُذكّرنا ويتركنا نمارس بعقولنا ما نشاء إذا توفّر لدينا النور من خلال الخطاب المذكّر والمحدّث والمنوّر الّذي يواجهه الطرف الظلامي باللعب غير آبهين به معتقدين أنّ هذا الخطاب سينتهي بنهاية من يحمله وهنا يلتقي خطاب الحداثة مع خطاب القداسة عند نقطة تماسّ المنافع الإنسانية ومصالحها. والقداسة لا تُضادّ الحداثة لسبب واحد : المقدّس الوحيد على وجه الأرض هو الإنسان أقدس من كلّ الأمكنة وكلّ الأزمنة، والنصّ القرآني تقدّس لكونه نصّاً إنسانياً بامتياز باعتبار الحديث عنه أو إليه وأنّه الموضوعة المحورية له في سياق الموضوعة المركزية المتمثّلة في مسألة “التوحيد” الّتي تمثّل أرقى مفاهيم الحداثة والنابذة لكلّ استعباد كهنوتي أو استبداد ملكوتي بعيداً عن الأطروحة البشرية له؛ وقداسة الإنسان الّتي حازها من روح الله الخالق العظيم هي بيت القصيد الّذي حرّك كوامن الحسد عند الإيبوفرون الأكبر “إبليس اللعين” الّذي عرف ـ من خلال أيقونة القداسة وهي العقل ـ أنّ إله الكون أعطى للكائن البشري مقاليد الأرض والحظوة الوجودية والمحاكاة اللاهوتية في التناظر الخَلقي والإبداع العلمي حيثُ جعل الإله الإنسان أيقونته على كوكب الأرض، وهذا تكريم عظيم لا يدعوه إلى مفارقة توحيده سبحانه والصلاة على حامل نوره وأمين وحيه ومبلّغ رسالته صلوات ربّي وسلامه عليه؛ وأنّ الانحناء له والسجود له وحده هو شكر لنعمة الاستواء وظهور الإنسان المنتصب بعد أن كان حيواناً مُكبّاً يسخر منه إبليس وقومه : “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ/ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ/فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ/إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ/قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ/قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ”. … وعَوداً إلى إنسانية القرآن الكريم حتّى لا يحيف الظنّ ببعض السطحيين أنّي لا أعتبره وحياً بل هو وحي من الله وليس كلامه المطلق مقصود به الإنسان المُنزل عليه والمُنزل إليه، وأعني بالأوّل سيّد الخلق صاحب الوفاءات وبالغ الكمالات والأيقونة البشرية المستكملة والمستوفاة بالخُلُق العظيم بل هو على ذلك الخلق وليس به، ولا فاصل بين كمالات الحداثة الإنسانية وكمالات الأخلاق النبوية إلّا ضرب الصفح عن المقاربات التنويرية الكاشفة لعظمة المفاهيم القرآنية وعظمة الأخلاق النبوية. والإنسان المتطوّر من حالته البشرية الحيوانية إلى الحالة الإنسية الرحمانية، ومن الإكباب إلى التسوية كان بفضل الوميض النوراني بالنفخة الإلهية الّتي أدركت دماغة هو الحقيقة العلمية الّتي حاول “داروين” كشفها للبشرية وأنّه فعلاً أنّ الكائن البشري لم يكن ذا شأن يُذكر لولا تدارك تلك النفخة التّي لم يفهمها “داروين” وسمّاها الحلقة المفقودة في عملية التطوّر فَاستوطنت دماغه فكان من المكرّمين واستحقّ الاحتفال الإلهي وسجود الملأ الأعلى أي الكائنات الراقية الّتي يُسمّيها القرآن الكريم “الملائكة” الّتي تعجّبت كيف لذلك الحيوان البشري المكبّ أن يبلغ هذا المجد الإلهي؛ بالمقابل في عصرنا كان “نيتشه” فيلسوف ألمانيا الكبير يراوح بمخياله الفلسفي العبقري الكشوف الداروينية بأطروحته السوبرمانية وأنّ بإمكان الإنسان المعاصر بلوغ الكمال والسموّ والامتياز لأخلافه عن أسلافه وبروز الإنسان الكامل وكَأنّه يُنظّر ل”يوتوبيا تطوّرية” تختصّ بالإنسان ذاته وليس مدينته الّتي نظّر لها “أفلاطون” و”الفارابي” وآخرون كُثُر، ممّا أحالني إلى رائعة ” الجيلي” الصوفية في كتابه “الإنسان الكامل” سابقاً فيلسوف القوّة الّتي أفرزت الأيقونة النازية “هتلر” ومن معه من النازيين الّذين أهلكوا الحرث والنسل ولم يمثّلوا غير الإنسان القاتل معتقدين أنّ الآريين وعلى رأسهم العقل الجرماني هم النظير الأنطولوجي للسوبرمان مستقبلاً .. بينما “الجيلي” فالسوبرمان كان لديه هو شخص المصطفى كامل الخَلْق والخُلُق أيقونة الله والمتجسّد بالأخلاق القرآنية العظيمة !! وهنا أستخلص ممّا سبق أنّ الكمال الإنساني عرف طريقه إلى الوجود مرّتين : الأولى مع “آدم” حين اصطفاه الإله على بقية البشر الحيوانيين بالنفخة الروحية وبداية مسيرة الحضارة الإنسانية بعد أن قضى البشر أجلاً في ظلمة مسيرتهم الحيوانية المُكبّة، وسوّاه ونفخ فيه من روحه وجعله كائناً منتصباً فجاء الإنسان، والثانية مع سيّد الخلق محمد بن عبد الله (عليه الصلاة والسلام) حين بلغ به عقله نحو الكمالات الخُلُقية واستحقّ المقام المحمود والفضيلة والوسيلة والكوثر الموعود فجعله الله الأسوة الحسنة كَأرقى أنموذج للأخلاق القرآنية العظمى؛ وما الأخلاق القرآنية إلّا أن تكون حرّاً من كلّ العبوديات ومنفكّاً عن كلّ التبعيات في الدنيا والآخرة، وهذه الحرّية وهذا الانفكاك هما جوهر الخطاب في فلسفة الحداثة بكلّ ما تعنيه الحرّية بدءاً من السرير مروراً بالمائدة وصولاً إلى المنبر أو الكرسيّ !!. ورجوعاً إلى الحالتين السابقتين أوّل المقال الرافضتين للحداثة يكون التعامل مع الأولى بالتغيير السِلمي السلس والحِجاج العقلي بينما يكون حال التعامل مع الثانية بالثورة وقوّة السلاح فالسافك للدم، المستبدّ بالحرّيات، المُعادي لقيم الحداثة لا حلّ معه من موقع الدفاع وليس الاعتداء إلا سفك دمه حتّى يحيا كلّ الناس في كنف الحرّية والأمن والرخاء؛ وهذا ما فعله سيّد الخلق في المرحلة المكّية بالتغيير السلس والمرحلة المدنية بالثورة والسلاح، وحين كان له الأمر كلّه بالفتح دعته أخلاقه العظيمة إلى العفو الشامل؛ أروني من قادة التاريخ سلك مسلكه المتوازن بين التغيير السلمي والتغيير بالقوّة ثمّ العفو الإنساني الشامل ؟؟ ومنه يمكن هذا الاستخلاص الأخير : النصّ القرآني هو أرقى نصّ حداثي عرفته البشرية وللأسف إنّه أسير الرجعية الأصولية السلفية وطريد التطرّف العلماني الاستئصالي المنحرف عن قيم العلمانية الأصيلة المرادفة لجوهر الوحي في طبعته الإلهية ونشرته النبوية بعيداً عن توجيهات المفسّرين والمحدّثين والفقهاء والدعاة أدعياء الدين وحماة السلطان المستبدّ للحرّيات واجهة الخطاب الحداثي المعاصر.