العوالق الجينية والقراءة المُستعادة

أ- عماري أبو الخير

إنّ كثيراً من الناس لا يقرأون لا في المجال المسطور ولا في المجال المنظور للأسف؛ والقراءة كمفهوم خاطئ ارتبطت عند الغالبية العظمى بفيزيائية الحرف سواء كان منطوقاً أو كان منظوراً، وبحركات العيون والشفاه فاعتبروها كعملية شحن للفراغ وكسب طاقة معرفية خارجية لم تكن موجودة من قبل للاستضاءة بنور العلم وإزاحة ظلمة الجهل تحت تأثير الأثر العمومي المشهور : “العلم نور والجهل ظلام”.

مع أنّ المفهوم الصحيح للقراءة هو تذكّر المعارف السابقة قبل الخلْق بكلّ الوسائل المُتاحة بعد الخلق، والقراءة الفيزيقية المعهودة لدى الكثير هي من الوسائل المتاحة لاسترجاع المعارف السابقة، وكذلك النظر والتأمّل وإعمال الفكر من الوسائل المتاحة للقراءة المطلوبة والمرجوّة؛ وهنا يحضرني طلب أحد فلاسفة الإغريق من أحد تلامذته أن يفقأ عينيه فاستغرب تلميذه طلبه وكان تعليله أنّ قراءة الكتب منعته من التفكير وحجبت عنه رؤية المعارف الّتي لم تمنحها له تلك الكتب؛ وسواء كانت هذه الأحدوثة أسطورية زائفة أو تاريخية واقعة فمنطوقها يطرح ما ذكرته آنفاً.

ومن هنا كان سيّد الخلق ـ عليه الصلاةُ والسلام ـ أعظم قارئ عرفته البشرية مع أمّيته المفرطة والمانعة للقراءة الفيزيقية الّتي نفتخر بها ويتباهى أحدهم بقراءة الآلاف المؤلّفة من الكتب في صيغة شحن خارجي لمعارف قد تكون غير متطابقة مع سوابق الخلق، ولو كانت التعبئة الخارجية تكفي القارئ لبلغ العارف عرفانه وغادر زمانه ومكانه عائداً إلى سوابقه العرفانية مستغنياً عن الوهم والافتراض وكثرة الرؤى وتعدّد المذاهب والفلسفات وكثرة المدارس والتيّارات … كان كما قلتُ قارئاً عظيماً باستقراء كلّ ما سبق من معرفة بالوسائل المتاحة غير الوسيلة الفيزيقية المعروفة، وكانت قراءاته تلك قبل الوحي فجاء الوحي يؤازرها ويُضيف إليها ممّا عجزت عنه وسائله عن بلوغها بل ويأمره الوحي بالاستمرار في تلك

“اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ/خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ/اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ/الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ/عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ”

والمدهش في هذا النصّ القرآني ربطه بين فعل الخلق وفعل القراءة وتحديد مرجعيته الخَلْقية الّتي سمّاها العلق، والمثير هذا الإيقاع المزدوج بين الدالّيْنِ : خلَق/علَق وستّة وستّون في المئة من التطابق الجِناسي بين الملفوظين ومجيء الدالّ الأوّل في صيغة فعل والثاني في صيغة اسم لكون كلّ المعارف الّتي نجهلها هي موجودة ومعلومة من قبل إنّما هي عالقة في مصفوفات جينولوجية تحملها الخلايا؛ فَكما حملت خلية واحدة كلّ صفاتك الطينية فاعلم أنّ صفات النور ماثلة فيك ولا يحدث لها الكُمُون إلّا بتعطيل فعل القراءة فيك واستكناه ما تحمله أنوار خلاياك من عرفان يرتكز في القلب العارف وإلّا كيفَ سلكت تلك العلوم قلوب العارفين ولا وجود لها من قبل في كتب الكاتبين ؟؟

وإذا كانت “الجينة” في مصطلحها الغربي تعني “العلقة” في مصطلحها العربي كما كانت تحمل المفهوم الكلاسيكي للعقل المسلم السابق فَإنّ ثورة “دي سوسير” اللسانية وبروز لسانيات النصّ والمنهج التداولي في استقراء منطوق الخطاب، وتآزرها مع التحليل السيميائي المعاصر تجعل المرء يفهم ملفوظ “العلق” بأنّه الخلية الّتي تعلق بها كلّ الصفات المسؤولة عن الكائن في بعديه المادّي والمعنوي والّتي بدورها كانت وسيطاً ناقلاً لكلّ البيانات والمعلومات السابقة والمسافرة عبر التاريخ والزمن بين الأصلاب والترائب؛ ولا يقف فهم أحدنا عند نمطية القلم المعهود حيثُ أكتبُ لكم مقالي هذا بقلم مختلف تماماً سمّوه ما شئتم : كيبوورد، كلافيه، رَقينة … حيثُ هذه الرقينة تمثّل لي القلم الكاتب لما يُمليه ذهني على الشاشة أو لأكن أدقّ “الورقة الإلكترونية”، وكيف يكتمل الكرم الإلهي للإنسان المُكبّ الحيواني حتّى يبلغ كمالات الإنسان السويّ الرحماني من دون أن يهبه آليات الحفظ وكسب المعارف الطبيعية ؟؟ ..

إنّ كلّ ما دوّنه أرسطو أو ابن رشد أو كانط على الورقات كان مكتوباً قبل أن تنكتب ممّا يميّز أسبقية النصوص الذهنية على كلّ النصوص التدوينية أو الإلكترونية؛ والآلية الّتي كتبت نصوصنا الذهنية وحفظتها هي الّتي تسمّيها سورة “العلق” بالقلم كما لا تنفي مدلولية الآلة الفيزيقية حيث لا مجال للمقارنة بين عظمة القلم الذهني والقلم الحبري لأنّه لولا وجود الأوّل ما استطاع “نيوتن” تبليغ نظرياته عبر القلم الحبري دون إملاءات القلم الذهني.

يا من تتوجّسون من كلّ نور اقرأوا ما في أنفسكم، اقرأوا ما في الآفاق، واكتبوا على صفحات أذهانكم باسم الربّ أنواركم، وتكرّموا كما تكرّم إلهكم علينا وعليكم بالقلم، وعلّم الإنسانية ما جهلته في سابق خلقها.

واعلموا أنّ العبقريات ليست مواهب أزلية دونكم، لكم أن تكونوا عباقرةً إذا شغلكم التفكير السابر عن القراءة الموجّهة؛ لا تقرأوا ما يشتهيه الآخرون لكم بل اقرأوا ما تطلبه أنفسكم بإلحاح,

إنّ القراءة الفيزيقية ليست هي الفخر وقد كان “شيكسبير” قارئاً مقلّاً لقراءاتكم إنّما أبهر الإنسانية بقراءاته الأخرى وكان يقرأ مثلكم ما يذكّره بسوابق خلقه فأبدع روائعه المسرحية والشعرية الّتي فاقت معالم الإغريق والرومان؛ وكذلك كان المتنبّي وكان كثير من المفكّرين والمبدعين يفعلون مثل ذلك، وحتّى لا تفهموا ما أقوله خطأً عليكم بجعل القراءة الفيزيقية وسيلة للميتاقراءة والإبحار في تخوم التفكير فهو النور الّذي يغوص بكم نحو قنص معارف لم تكن معهودة على صفحات أذهانكم ولا مسطورة في ورق الآخرين.