الجلفة … والحِراك !

  • بدر الدين قرماط

قد يتطلّب تفسير ما يجري في الوطن من حِراك و شطحات و” تحراك ” الكثير من الوقت والعديد من المصادر في دواليب السلطة وكمّ هائل من قراءات أشخاص لم يخذُلوا قراءاتهم يوما، وقد يمتدّ الأمر بهؤلاء العارفين إلى التكتّم عن بعض المفاهيم ليس خوفا من النظام الحالي أو السابق أو غيرهما، بل لأخلاقيات مهنية تُلزِم الواعي أن يتحفّظ خشية انفراط العقد أو قراءة المفاهيم بطريقة عكسية في الشارع الجزائري التائه منذ زمن أصلا، فحُدوث ما لا تُحمد عقباه !.
كغيري من المواطنين، أطالِع ملخصّات ما يحدث في الوطن عبر وسائل الإعلام الوطنية منها والدولية، وأتابع تحليلات بعض الأصدقاء الذين أثق في قُدراتهم عبر منصات التواصل الإجتماعي، لكنّني حتما لا أشاهد القنوات الوطنية عبر التلفاز، ليس انتقاصا من شأنها أو من شأن ضيوفها الأكارم، بل لأن عادتي وتجربتي في مختلف الميادين جعلتني أهوى قراءة مقال مُركّز في خمس دقائق عوض أن أشاهد حصّة تمتد إلى ساعات من الزمن دون الخروج منها بأي نتيجة !، حصص تجد أن الضيف والمستضيف فيها يغرّدون خارج السرب جميعا، الصحفي المحسوب على مؤسسة إعلامية يدعم الأجندات الموالية لقناته وريع الإشهار، أما المعزوم في الحصّة يدعم كذلك قواه التي لقّنته ما يقول قبل بدأ البث، أفضّل قراءة مقال كامل الأركان .. لأي كان، شرط أن يتوفّر صاحبه على المعطيات اللازمة والنظرة الثاقبة، أي يكون أهلا للتحليل أصلا بعيدا عن آراء المجتمع البسيط التي تصنع كلّ يوم آلهة لتعبدها .. ثمّ تلعنها لاحقا بعدما تُدرك بأنها مُجرّد صنم خُلِق من تُراب صنعته أيديها !.
أعيش في بعد محلّي بحت، حياتي كلّها مرتبطة بما ألقاه ويلقاني فور خروجي من باب منزلي، أؤمن كغيري من الأهل ببصيص أمل التغيير في مستواه المحلي، ولو أنني أصلا فاقدُ الأمل في هاته القرية التعيسة التي أعتقد أنها لن تعانق النجاح يوما، لستُ أخبِط العشواء بل ذاك مفهوم كلّ من عاشَر الجلفة و غرِق من فيض خُذلانها، أدرَك ألّا أمل يلوح في الأفق ولا وراء الأمل نفسه !، تعلّم كيف يعيش مواطنا مهزوما دون أن يخوض حربا !، لا لسبب، إلا أن الجغرافيا جعلته ” جلفاويا ” !، كلّ ذلك يجعلني شخصيا أتعاطف مع المجتمع الجلفاوي الذي أنا منه طبعا، ففي وعيه قراءات منقوصة، وفي معطياته حلقة مفقودة، وفي تدابيره خيبة أمل، كل ذلك يجعلني أفضل المراقبة من بعيد والتدخل لو استطعت لصنع فارق، ولا يعني ذلك أنّني عرّاب الجلفة أو محسوبا عن نخبها، بل أنا مُجرّد شخص لقّنته الحياة أن يفعل ما يراه صوابا، فلو أصاب فله أجران ولو أخطأ فله أجر مُحاولة، فلست أمثّل أحدا طالما أمثّل رأيي … منذ القِدم، وهنالك الكثيرون منّي في الجلفة أتقاسم وإياهم نفس الصفات والطِباع ربّما.
لو كان الحِراك القائم ذا فائدة للجلفة لما فاتنا إليه أحد من القوم، ولو كان قضية منطقة تعنينا لما شعر أصلا به القوم !، فلا يُزايد منكم أحد على الآخر بصور ” الديفيلي ” لأنّ الرجال غالبا يعملون في صمت وبعيدا عن الأضواء، إلّا إذا إقتصى الأمر فإن تعرية الوجوه تصبح فرض عين و الرجال يومئذ عليهم بالمقدمة، أمّا أن تكون الجلفة بنخبها وإطاراتها و مثقفيها ومواطنيها … ماضية في نداء فئة إستئصالية من الوطن فنحن لا نسير عادة في هذا الطرح، بل على العكس سنرفضه بشدّة ونكافِح أصحابه إلى آخر رمق … بسائر قوّتنا.

رغم أن الحِراك وطني، فقد سُجّل للجلفة مرّة أخرى أنها خارج المعادلة الوطنية وهذا ما لم نكُن نُريد وقوعه، فقد غُيّبت إعلاميا و سياسيا و ثقافيا .. لأنّ النظرة النمطية المرسومة عنها في الولايات الأخرى غير سوية، والمؤسف أن الرسّام هُم بني جلدتنا !، يعلم الجميع أنني لا أهادن ولا أحابي أحدا … لكن أقول بكل أسف أنّنا كنّا السبب الرئيس في خُذلان المنطقة وانعكست خياراتنا المحلية على الواجهة الوطنية، لقد قدّمنا ذات يوم نماذج ليست في المستوى لتمثيلنا وطنيا ونحن اليوم نحصد ما جنت أيدينا، لقد تغافلنا في وقت قريب عن إطارات كانت قادرة على تحسين صورة منطقتنا لكنّنا تجمّعنا زُمرا داعمين للرداءة، ومشجّعين لكل مُختال خدعنا بشعارات زائفة مضى عليها الزمن … بل كنّا سندا له حتّى بعدما اكتشفنا سوءاته !.
كانت ولا تزال الجلفة عبر الزمن أو الحاضر .. مُجرّد أداة تصفيق لأي حُكم قائم، فإن هي مالت للغرب ملنا معهم .. ولو هي مالت للشرق مالت معهم، لذلك ظلّت السلطة ( أيا كانت ) لا تعتبِر للمنطقة وتراها مُجرّد لقمة سائغة سُرعان ما تذوب في أول طعمة، فالحراك الذي كان من مُبتداه لا يصب في صالح المنطقة، كيف لأهلنا اليوم أن يتوسّموا فيه الخير لهم ؟ !، بعدما تثاخنت الأوتار وأصبح اللعب في القضية على المقامات الرفيعة ؟.
ستبقى الجلفة ضالة طريقها و فاقدة لبوصلة الطريق إذا لم تجتمع تحت راية واحدة بعد الوطن، تُدعى راية الولاية المتفتّحة على الجميع .. باستثناء أبناءها طبعا، الذين يُمارسون يوميا عادة جلد ذاتهم وبعضهم البعض، ستظل الجلفة تائهة بين براشيم العقد العروشية، التي تتوهّم كُلّ فئة فيها أنهم الأفضل، والعجيب أن هاته العروش بما حملت مناطقهم من تراب و رُفاة وتاريخ … مُجتمعون في نظر السلطة وباقي الولايات مُجرّد كومة أفراد لا يفقهون ولا يعقِلون !، سيُضرب المثل ذات يوم بالجلفة … أنّها معقل ” اللا شيء ” .. عِوض أن تكون هي ذاتها مِحور دوران الوطن .. أي ” كُل شيء ” !.