من يحرر المثقف .. ؟

  • قلولي بن ساعد

لم يعد ممكنا انتظار معجزة من نخب هشة منقسمة على نفسها لم تستطع لحد الآن أن تتفق على الحد الأدنى الذي يمكنها من أن تكون قوة رمزية فاعلة تستمع لها السلطة وتأخذ بآرائها على نحو يمكنها من تمرير منظورها الخاص تحقيقا لمبدأ الشراكة الثقافية  بين المثقف والمؤسسة الثقافية الرسمية كخطوة تمهيدية قبل الشروع في التحضير لبنود المشروع الثقافي الوطني الذي لم يتأسس منذ لحظة استعادة السيادة الوطنية سنة 1962 أوتعود إليها لجس نبض الشارع والمجتمع الذي تدعي أنها تمثله و تنوب عنه في التفكير في المسائل والقضايا الثقافية والاجتماعية والتاريخية خصوصا بعد الفراغ الذي عرفه الفضاء الثقافي والاجتماعي والسياسي في جزائر الديمقراطية والتعددية ولو في شكلها الواجهاتي منذ تشتت ما كان يسمى بالمدرسة السوسيولوجية الجزائرية بفعل الهجرة إلى دول عربية وأخرى غربية أو الموت التي مثلها علي الكنز وعمار بلحسن وهواري عدي وجيلالي اليابس ومحمد بوخبزة وعبد القادر جغلول التي تكونت وتشكل مسارها الفكري والمعرفي في أفق اليسار الجامعي الجزائري وعدم انبثاق نخبة أخرى بديلة عنها تستلم منها المشعل وتواصل المسيرة يحدث كل هذا في ظل استحداث ما أصبح يسمى في قسم العلوم الاجتماعية بعلم الاجتماع الديني لتزييف حقل العلوم الاجتماعية المصدر الأساسي لفهم الحراك الاجتماعي الشعبي والانتباه لدبيب وانصهار المثقف النقدي في قلب وهموم الطبقات الاجتماعية خاصة منها الفقيرة أو المتوسطة الدخل علما أن إفرازات العلوم الاجتماعية هي كلها إفرازات ماركسية ولا علاقة للرؤية الدينية بها وتاريخ الشعوب مثلما يقول ماركس هو تاريخ الطبقات والصراع الدائر بينها من هنا يتبين الهدف الذي من أجله لجأت وزارات  التعليم العالي في بعض الدول العربية إلى استحداث ما يسمى بعلم الاجتماع الديني في المنظومة الجامعية العربية لإفراغ العلوم الاجتماعية من جدواها وفاعليتها وثوريتها في تماسها مع صيرورة المجتمع وتحولاته المفصلية على الأصعدة الاجتماعية  والمهنية والسياسية وتحول المثقف النقدي  الأكاديمي إلى مجرد موظف يؤدي خدمة مهنية هذا ما يؤكده الواقع وقد سبق للسوسيولوجي الجزائري عبد القادرجغلول أن نبه لعدم وجود إنتلجانسيا أو نخبة مثقفة بالمعنى الصحيح وكل ما هو موجود في نظره “مجرد سديم ضبابي يتشكل من مجموعة من الأفراد بدون أي نسيج فكري أو ثقافي يربط بينهم” وبالتالي خلو الجزائر من ” مثقفين عضويين” بالمعنى الغرمشوي للكلمة نسبة إلى أنطونيو غرامشي المفكر الماركسي الذي أعدمته الفاشية الإيطالية التي مثل لها غرامشي إزعاجا كبيرا وهو الذي كان يهدف من وراء نحته لمفهوم ” المثقف العضوي ” على ما يرى المفكر الفلسطيني البارز أدوارد سعيد في كتابه ” الآلهة التي تفشل دائما ” ” إلى بناء ليس فقط حركة اجتماعية بل تشكيلة ثقافية مرتبطة بهذه الحركة ” وعليه ليس غريبا أبدا أن يستشرف مفكر بارز بحجم علي حرب في كتابه الشهير ” أوهام النخبة أو نقد المثقف العربي ” ما سماه ” بنهاية المثقف ” بعد أن لاحظ عدم جدوى أي دور المثقف وفشله الذريع في أداء الرسالة التي يتوهم أنه حاملا لها لتنوير الجماهير والنيابة عنهم في التفكير والتدبر يستوي في ذلك عنده الإسلاميون والعلمانيون واليساريون والقوميون وغيرهم والدليل على ذلك أن ما يعرف بثورات “الربيع العربي” بصرف النظر عن آثارها السلبية وعن القوى التي كانت تقف وراءها وموقف المثقف النقدي منها أشعل شرارتها الأولى صاحب عربة لبيع الخضر والفواكه هو ” البوعزيزي ” وليس أركون ولا الجابري ولا ادوارد سعيد ولا الخطيبي ولا نصر حامد أبو زيد وهم الذين غادروا الحياة قبل أن يتفاجأوا بها على ما يستنتج ذلك الروائي الخير شوار في مقال صحفي كان قد كتبه منذ سنوات فكل هؤلاء لم يستطيعوا إحداث ثغرة في بنية المجتمع العربي بالرغم من الأهمية الكبيرة لمشاريعهم الفكرية في جانبها التحرري من الوعي العربي القائم ولذلك يدعو علي حرب إلى محاولة التخلص من “أوهام النخبة ” لارتباطها بالنهاية الحتمية للمثقف الأمر الذي جعل علي حرب يتعرض لحملة إدانة واسعة وبعض ردود الأفعال المجانية والمتنشنجة فهناك من اعتبره نوع من الاستسلام والخضوع وتراجعا عن الدور المنوط بالمثقف فيما هو شكل من أشكال “النقد الذاتي” الذي لا يزال المثقف العربي بعيدا عنه ويتهيب من طرحه لأنه يطال الذات العربية التي كان يرى محمد الجابري أنها على الصعيد النفسي ” لاتقبل النقد إلا في صورة مدح أو هجاء ” لقد كان صعبا على المثقف العربي المستسلم لثقافة الوثوق الأعمى وللأوهام التي عششت في ذهنه و مخياله بسبب بعده واغترابه عن روح وجوهر ” النقد الذاتي ” واعتبار ذاته بعيدة عن نقد الأنا إن لم يكن يرى نفسه فوق النقد وفوق التاريخ أن يقبل بنوع من التفكيك والمساءلة الصادمة ” لوعيه الشقي ” والوعي الشقي كما يحدده عالم النفس الشهير جان بياجيه ” هو الوعي القائم في بحر الازدواجية والتناقض ” والحقيقة أن لا أحد منا في إمكانه المزايدة على الآخر رغم بعض التباينات الطفيفة ، فنحن لازلنا نعيش على هامش الواقع العربي وعلى هامش نبض الشارع العربي نلوك مفاهيما لا تطعم من جوع ولا تمنح هامشا ولو ضئيلا من الحرية والممارسة الديمقراطية لشعوبنا ولعناصرها الثورية والحية بما تتطوي عليه بنيتها على صعيد اللغة ومضمراتها والتداول الساذج للقضايا الزائفة التي ينافح عنها البعض منا وله فيها مآرب خاصة قضايا الديمقراطية والحرية في معناها الشعاراتي ووهم المفاهيم البراقة والأسئلة الزائفة والمغلوطة المفرغة من وهجها وجدواها لتصير مجرد ملفوظات للعرض والطلب بعد أن يتم تجريدها من جوهرها وفاعليتها لتفقد بذلك الديمقراطية وسائر مفاهيم الحرية و الانعتاق مدلولها الأوسع وسبلها المنسبية أو “اللامفكر فيها” حتى تصير مجرد علامات فاقدة لمعناها وثوقية تركز على الأحادية الأقرب الى الممارسات الفاشية لا بل إننا أحيانا تكتشف ولو على مضض أننا لا زلنا لم نتعدى بعد إطار البنية القبلية باتجاه التبعية للحاكم واعتباره كالقدر والموت والبعث والنشور علينا أن نخشى هيمنته وسحره وجبروته باتجاه حالة يطلق عليها علماء النفس حالة ” التكيف السيكولوجي الجمعي والفردي ” مما أجل عوامل الدفع الكامنة في الذاكرة الجمعية العربية وفي المخيال العربي الى ما كانت تشعر به الجماهير العربية دون أن تتجرأ على الجهر به أو الإعلان عنه لولا حادثة محمد البوعزيزي التي أحدثت رجة في الشارع العربي تحررت على إثرها الفئات الاجتماعية المحدودة التكوين وأخذت على عاتقها خوض مهمة النضال الاجتماعي ومع ذلك لا يبدوا أننا أجبنا عن السؤال الأهم وهو من يحرر المثقف ..؟