تقويم الأثر وتقييم الذوق في الإبداع الماثل ثقافيا

– بقلم: أبو الخير عماري

مدخل:

       إن الأثر هو الصورة المنتهاة للنص؛ حيث هذا الأخير يأخذ صورته النصية حينما يتحول هذا المدوّن من صورته الذهنية إلى صورته الورقية فيكون النص؛ ويتحول بدوره إلى ما يسمى الخطاب لكونه يحمل رسالة إلى المتلقي أو يتضمن مجموعة من الشفرات التي تصنع النهاية التي أطلق عليه اسم “الأثر” ..

       ولهذا الأثر حدود كرونولوجية (زمنية) وحدود أخرى مورفولوجية (شكلية) يتخذ عبرها الأثر مسافة من الوقت والصياغة أطلقنا عليها اصطلاحا “تقويم الأثر”؛ وبين مجالين متجاذبين هما المبدع والمتلقي يكون الذوق محورا دوّارا بينهما في المنتج أو المنجز الإبداعي الذي يتمثل كل لحظة استعادة عبر فضاء شاسع ونسق مهيمن تصنعه الثقافة كإطار للجذب وإشاعة الذوق كعرف ثقافي يتجسد فيما نقرأ والذي تجسد أيضا فيما كُتب!

       إذن، ما أثر الزمن وأثر الشكل على الأثر؟ وكيف يتجاذب كل من الأثر والذوق؟ وهل تصنع الثقافة تلك الهيمنة على الذائقة المتلقية ليتقيم الذوق عرفا ثقافيا يحدد الإبداع المطلوب في اقتصاديات الثقافة؟ … وأخيرا فأيُّ ثقافة تصنع رؤية للنّص؟

*     *     *

1) زمن الأثر:

       للإجابة عن الأسئلة الآنفة فإن البدء يكون من حيث الانطلاق أي: مما جاء في المدخل وهو أن الأثر هو الصورة المنتهاة للنص لأن هذا الأخير لا يجيء عموديا وفجأة وخالصًا من كل التأثيرات الذاتية والموضوعية؛ فالنص يتخلق قبل أن يأخذ صورته التدوينية المألوفة والمؤلفة معًا؛ إذ ينطبع في الذات بكل أبعادها (الذهنية والشعورية والغريزية) وهذه الأبعاد ليست بمعزل عن المدّ والجزر الاجتماعيين واللذين يتحركان تقدمًا أو تأخرًا بحركة التاريخ الذي هو فعل مزيد وغير لازم ولا ناقص يتعدى إلى كل ما هو إنساني .. وإذا كان المبدع صاحب النص لا يخرج عن النطاق الإنساني لكونه إنسانا، فإن أهم مؤثر يتأثر به هذا الكائن الكاتب هو الزمن نفسه ولعلّ القارئ أو المستمع يفهم مني أني لا أقصد الزمن الفلكي المألوف- وإن كان له تأثير هو الآخر- وإنما أقصد الزمن في شكله النفسي والاجتماعي والتاريخي أي: الزمن على إطلاق المعنى حيث يكون الأثر في شكله الأول مرتحلا بين ثلاث مراحل: زمن ما قبل الكتابة وزمن الكتابة وزمن ما بعد الكتابة؛ فالزمن الأخير تستغرقه القراءة، والزمن الذي قبله تستغرقه الكتابة، والزمن الأول تستغرقه الصياغة النفسية والذهنية والصياغة الاجتماعية والتاريخية.. فالنص موجود قبل زمن الكتابة إذن، والعوامل التي تصوغه تسري إلى زمن الكتابة وأيضا زمن القراءة أي: أن هناك منظومة مهيمنة على النص من كون النص جينة في رحم الزمن إلى حدوثه في كائن لغوي ثم مثوله في الذائقة السائدة رفضًا أو قبولاً!

       هذا من الجهة الكرونولوجية للنص، أمّا الجانب المورفولوجي له فإن اللغة هي المهيمنة على الأثر لا الزمن وإن كانت اللغة لا تخلو من أثر الزمن لها فإنها تبتعد عن هذا الأثر داخليا في الصياغة ورسم الإشارات وما تحمله الرسالة (رسالة الخطاب) من شفرات تتجاوز الزمن لتبلغ بتأثيرها مدى بعيدا يتجاوز القارئ الآني والزمن الراهن … ولعلّ اختلاف العبارة والعبارة من كاتب أو مبدع وآخر يتمثل باختلاف السائل الواحد من وعاء إلى وعاء، فالمادة واحدة والحجم أو اللون مختلف؛ وذلك أن اللغة اجتماعيا هي واحدة وثقافيا تكون على عدد المبدعين فكل واحد منهم هو صورة اجتماعية متفردة لا تتكرر، ومع انتفاء التكرار بين أفرادهم فلا يمكن أن تتكرر أساليبهم، لأن الأسلوب هو الرجل كما يقولون؛ أما النسخ المتكررة فهي نُسخٌ هجينة أو نامية والحديث هنا عن كل نسخة أصيلة إبداعيا ماثلة ثقافيا يمكن أن تكون وعاء أو ممرا لغويا يصطبغ بصبغتها؛ تلك النسخة إذن، هي التي تمثل البعد المورفولوجي للأثر ويبقى المتأثر محلا للاستجابة أو الامتناع!.

*     *     *

2) تقسيم الذوق:

       يقول عبد الله الغذامي في كتابه ” النقد الثقافي” مفسرا:  يشير ” ليتش” إلى التوجه الذي أخذ ينمو فيما بين المعنيين بقضايا القراءة وأسئلة الخطاب، حول دور المؤسسة العلمية والثقافية في توجيه الخطاب والقراء نحو نماذج وأنساق وتصورات يتأسس معها الذوق العام وتتخلق لها الصياغة الذهنية والفنية، ويصبح تبعا لذلك قيما معتمدة، يقاس عليها وتحتدى في الحكم وفي التذوق». (ص34)

       وما نريده من سياق هذه الفقرة أن الذوق هو عملية دائرية يصنعها النسق الثقافي وأن النقد النصوصي خاضع لهذا النسق ولا تبرز صحة الذوق بنقد النص وإنما يكون الذوق صحيحا إذا تم نقد النسق أولا داخل هذا النسق المهيمن ثقافيا على العمل الإبداعي من جهة المبدع، والعمل النقدي من جهة الناقد..

       والمبدع –كما سلف- ليس خارجا عن النسق الثقافي، وإبداعه قبل التدوين هو جزء من المد والجزر؛ ثم إنه مشبَّعٌ قبل ذلك بقيم جمالية تخضع للذوق الثقافي الذي يسري في التلقي الاجتماعي العام، والمبدع –قبل كلّ شيءٍ- هو جزء كذلك من حركة التلقي؛ ثم يقوم بعملية تدوير هذا الذوق عبر إبداعه ليعود إلى التلقي المعاكس له حاملا نفس القيمة الذوقية والمؤنسسة في النسق الثقافي … ولهذا يطرح “ليتش” فكرة النقد المؤسَّسي بديلا للنقد النصوصي الخاضع للدائرة الذوقية حتى يتم تخليق قيم جديدة للذوق بدلا من الذوق القديم الدائر حول المحور الثقافي.

       ونعود إلى الأثر بصفته الخط الناقل للذوق بين محورين متجاذبين هما الإبداع والتلقي فنجد أن هناك شراكة بين المبدع والمتلقي في مسألة الذوق؛ فكلما كان الذوق الثقافي مهيمنا على المبدع كان الأثر أكثر ارتباطا بالمتلقي،، وهذا تماما ما يحدث في الوقائع الإبداعية وعلى سبيل المثال ما نراه في انحصار جمهور الشعر النثري لكون هذا الأخير لم يتمأسس في الذوق الثقافي العام وأن المؤسسة الذوقية تتهمين بالشكل الموروث وكلِّ ما هو خليلي الشعر؛ وحتى يملك تأسيسا فيلزم تكريس الذوق الجديد ونقد المؤسسة القديمة في الإبداع الشعري.

       ويوجد عامل آخر للذوق بعيدا عن الأثر الثقافي والذوق الثقافي المجمِّع للذوق الاجتماعي، وهذا العامل هو الإيدبولوجيا أو الذوق الإيديولوجي، حيث يتذوق الماركسي كلَّ المنجزات والمنتجات الماركسية بغض النظر عن قيمتها الإبداعية؛ ومن جانب آخر لا يرقى ذوقه إلى كل ما هو ليبرالي أو إسلامي .. والإسلامي أيضا لا يرى ولا يرقى إلى الإبداع الماركسي أو الوجودي أو غيرهما .. وهكذا دواليك توجد أذواق متصارعة في المجتمع الواحد..

       والذوق الإيديولوجي يصنع الناقد الإيديولوجي مناصرا للإبداع المؤدلج، وهذا ما أشرت إليه في إحدى مقالاتي السابقة، حيث جعلت الذوق الإيديولوجي نقيضا للذوق الإنساني والإبداع الإنساني ،، أما الذوق الثقافي هنا فليس نقيضا للذوق الإنساني إنما هو خصوصية اجتماعية لمجتمع من المجتمعات.

3) المثول الثقافي:

       وإذا كانت الثقافة تكرس الذوق السائد فإن نقيض هذا الذوق والمفاجئ له والطارئ عليه هو ما أسميه الذوق الحداثي ليكونا نوعا رابعا من أنواع الذوق المذكورة آنفا: الثقافي، والإيديولوجي، والإنساني، وأخيرا هذا الذوق الحداثي الذي تكرسه الحداثة في مواجهة القديم، والموروث، والسائد، والمهيمن … إلخ. وإذا كانت الحداثة تعني الحضور والتميز والتفرد والاستمرار، فإن ذوقا جديدا سيحلّ على القيم الذوقية الجديدة وان أثرا جديدا يحمل هذه القيمة المفاجئة للتلقي مما يعني أن قوس الدائرة الذوقية انكسر لمرور تيار جديد يحدثه مبدع حاضر في عصره، متميز في إبداعه، متفرد في صياغته، سوف يستمر في الذائقة السائدة، واستعملت هنا كلمة “سوف” على علم بأن الصدمة الذوقية سترجئ هذه الهيمنة من خلال الصراع القائم بين القدامة والحداثة في كل راهن؛ مما يجعل هذه الهيمنة استمرارا لدور ثقافي جديد تصبح بعده الحداثة إرثا يقبله النسق الثقافي كما قبلت الذائقة العربية قصيدة التفعيلة بعد صراع طويل مع القديم.

أما الذين يمشون على نهج (البحر لا يُوارى التراب) ويفكرون تفكيرا أفقيا في حيز المكان فإنهم خارج محور الزمن متمسكون بزمن ليسوا صانعيه ويعيشون مع من صنعوه فلا هم يعرفون في ذلك الزمن ولا هم منتمون إلى زمننا فيصوغون زمننا في آثارهم ويحدثون المفاجأة ولا يفعلون!

       وهؤلاء أعني بهم من تصدمهم ذائقة الحداثة ولا ينتبهون ويظلون مع القدامة غير الممتدة، يأسرهم ذوق نسق ثقافي أحفوري  كان مدويا في القرن السادس؛ أما قرننا الآن فلا مكان لأثرهم ضمن الذوق الحداثي اللهم الثقافي المنحصر في جماعة من المتخشبين الذين يملكون ثقافة أرشيفية وذوقا أرشيفيا وهذه التسمية هي الأنسب لهم؛ لأن الذوق الثقافي يمتد مع المجتمع في تمظهراته وتشكلاته ويستطيع أن يتواءم مع الحداثة بعد صراع ومناقضة، أما الذوق الأرشيفي فلا يصنع أثرا في الزمن المتحرك إنما يضيف نسخة ميتة إلى الزمن الماضي تماما كما نقرأ قصائدهم الأفعوانية تخرج من خيم الماضي وصحاري العقول الجامد!

       وهؤلاء أي: جماعة الذوق الخامس لا يمثلون إبداعيا وإبداعهم يدور في فلك آخر غير فلكنا وهم “يحسبون أنهم يحسنون صنعا”؛ والثقافة في تمر حلاتها المتعددة وتمظهراتها المتجددة تمج هؤلاء فتكون الدائرة الذوقية بينهم وبين الجمهور المتلقي دائرة منعدمة لا توجد إلا في “نوستالجيا” التراث المهترئ بعيدا عن التراث المستمر والماثل ثقافيا وإبداعيا وكرونولوجيًا ولا يدركون أن الأعمال الجديدة “لمحمود درويش” مثلا هي الامتداد الطبيعي لقصائد المعلقات وليس أفاعيهم التي يكتبونها في الألفية الثالثة وعصر الانترنيت والضغط على الأزرار وليس عصر الوقوف على الأطلال والأحجار!!.

*     *     *

4) رؤية النص:

       والآن لنعرج على النص بصفته الصورة التدوينية للأثر، ولنرَ هذا المسمى نصا وما علاقة الثقافة بالنص أو بسؤال آخر كيف نرى النص؟

       إن النص يشبه الصورة المسحية أو الإشعاعية والتي تشخص الجسم الكثيف وتعاين ما بداخله من أشياء؛ فالنص كذلك هو صورة نافذة إلى داخل المبدع تجلّي عالمه النفسي والاجتماعي، كما تكشف ما يراه صاحب النص تجاه الآخر والحياة والوجود رمةً، كما تسري في عالمه الاجتماعي روافد التاريخ ومنابع الثقافة السارية في المجتمع؛ والنص أيضا هو تشكيل للثقافة اللغوية والذوق الجمالي الذي يحمل خصوصية المبدع تجاه الأشياء، بالإضافة إلى المخزون المعرفي والقرائي العالق في الذاكرة المبدعة .. وهو في الأخير كل تلك الأشياء مع الرؤية الثاقبة للزمن نحو المستقبل!

       هذا هو إذن النص، وحتى نرى فيه كلَّ تلك الأشياء فإنه من الغلو والإغماط وبخس النص أشياءه أن نلوي عنقه تحت مصباح واحد أو نراه بعود ثقاب ريثما ينطفئ!

       والنقاد الذين يرون النص بمنهج واحد: سياقي أو نسقي أو تكاملي هم نظروا إليه بعين واحدة، والنقاد الذين يقحمون منهجا غير صالح للرؤية هم يرون بعين رمداء لا تصل إلى أغوار النص ،، إذن لا هذا ولا ذاك وإنما النصُّ يلتبس بكل تلك الأشياء فإما أن نستعمل النقد المحيط فنحتاج إلى كل أداة ومنهج لتعريمه كاملا وإضاءته من كل الجوانب، وهذا صحيح؛ وإما الكشف عن زاوية واحدة منه يستدعيها النصُّ ذاته وإلاّ وقع النصُّ في الانطباع أو التهويم أو التقرير ولا نشخص منه إلا كما بشخص الطبيب مريضه بيده ولا ينفذ إلى جسم المريض!

       والثقافة هي المظلة الكبرى للأدب الذي هو سقف لفنون الشعر وفنون السَّرد؛ والنفوذ إلى الإبداع من رواق الأدب وحده لا يكفي ولابد من قراءة ثقافية للنص؛ إذ أن النقد الثقافي يتجاوز كثيرا من الأذواق كالذوق الأرشيفي والذوق الجمالي والذوق الإيديولوجي .. وبجانب الأحكام العرفية للأدب ويحرر النص من عبودية الأذواق السائدة.

       والنقد الثقافي كذلك هو مراجعة السائد وتصفيته وتنقيته من الأذواق الراكدة والآمنة، وخلق دينامية جديدة للنقد الأدبي الذي يهتدي بأحكامه باعتبار الأدب جزءا من الفن والفن جزءًا من الثقافة فما يطرأ على الثقافة يطرأ بالضرورة على الفن وكذلك الأدب؛ وإلا بماذا نفسر الاختلاف الكبير بين الشعر الجاهلي والشعر المعاصر لولا تغير المؤسسة الثقافية، والعرف الثقافي والذوق الثقافي وكأن الزمن هو غربال الثقافة والنصُّ مرآتها التي ترينا وجهنا الإبداعي المتجدد والمتعدِّد.

*     *     *

خلاصـة:

       ومما نخلص به الآن، أن المسافة بين المبدع والمتلقي يقطعها الذوق المتبادل دائريا عبر المنظومة الثقافية السائدة، وان النقد يكشف تلك العلاقة القائمة بين المبدع والمتلقي من خلال الأثر، وأنه (أي النقد الأدبي) لا يغير تلك العلاقة إلا بنقد تلك العلاقة السائدة عبر تلك المسافة الممتدة بينهما المليئة بالأحكام المهيمنة والأذواق المتبادلة؛ وأن هذا وظيفة النقد الثقافي ليراجع الأحكام التي تأسست سلفا وكرّست الذوق الثقافي وهذا ما دعا إليه الناقد ” ليتش” في دعوته إلى إيجاد نقد مؤسسي يكون ظهيرا للنقد النصوصي وليس بديلا له كما يرى “عبد الله الغذامي”، أو يكون –كما أرى- منهجا نقديا جديدا في حقل النقد الأدبي مثله مثل المنهج السوسيولوجي أو غيره من المناهج النقدية؛ فالنقد الثقافي هو إذن، أداة أكثر معاصرة وحداثة لرؤية كاشفة وممتدة للنصِّ الأدبي؛ باعتبار الثقافة هي المساحة التي تركها الله للإنسان كمالا للطبيعة؛ والحداثة هي التطلع المستمر للكمال، ومنتهى الحداثة هو كمال الثقافة المنشود.