الاحتفال بذكرى تأسيس مدينة الجلفة بالمركز الثقافي الإسلامي استحضار لذاكرة المكان .. عبق المدينة ونوسطالجيا التاريخ

  • محمد مويسة

 ضمن نشاطاته الدورية التي دأب المركز الثقافي الإسلامي ” سي عامر محفوظي ” على تنظيمها وبمناسبة ذكرى تأسيس مدينة الجلفة ، عرف بهو المركز تنظيم معرض للصور القديمة للمدينة يقدم كرونولوجيا تطور نسيجها العمراني ، إضافة الى معلقات تحتوي معلومات تبرز الجوانب التاريخية لمدينة الجلفة ، وبقاعة المحاضرات للمركز تم تقديم مداخلات من خلال البرنامج الاحتفالي المنظم خصيصا ، تنوعت هذه السنة واختلفت عن السنوات الماضية إذ شكلت بانوراما بين الأدب والجانب التاريخي والعمران والتراث الشعبي ، في مزيج قدم الإضافة مقارنة بالطبعات السابقة ، قدمها نخبة من الأساتذة الذين أثروا البرنامج مع ما رافقها من تفاعل للجمهور الحاضر الذي تنوعت تشكيلته .

النشاط الذي أشرف عليه مدير المركز الأستاذ ” براهيمي مختار” وقدم له كان ثريا إذ تضمن عرض وثائقي بعنوان : ” تاريخ وآثار الجلفة عبر العصور ” للمخرج فوزي الرايس كفاتحة للنشاط تلاه التداول على المنصة لأساتذة تنوعت مداخلاتهم في سياق الاحتفاء بالمدينة .

الأستاذ ” قلولي بن ساعد ” :

يرافع للمكان وتقاطباته ” الجلفة من خلال رواية وصية المعتوه لاسماعيل يبرير

رصد الأستاذ قلولي علاقة المكان بالكتابة السردية من خلال رواية ” وصية المعتوه ” للكاتب الجلفاوي اسماعيل يبرير ، بدأها بمدخل نظري عن الرواية والمدينة والمتخيل ، وتمظهرات المكان الروائي وعلاقة الرواية بالمدينة كمعطى إبداعي ليصل إلى ” التقاطبات المكانية ” ويسترسل في توصيفها ضاربا أمثلة من بعض النصوص لروائيين جزائريين ، ثم يعرج إلى تحليل رواية ” وصية المعتوه ..كتاب الموتى للأحياء ” بعمق باعتبارها تحتفي بالجلفة ويؤكد على  انغراس المبدع في تربته الثقافية ومهد تكوينه ووعيه الشديد الخصوصية بأن يكون لنصه الهوية التي يريدها بأبعادها الثقافية والرمزية التي تسكن لاوعي هذا المبدع ولا يمكنه مهما كان التنصل منها للخروج بهوية لنصه ، ليشير إلى أنه قد ورد اسم الجلفة المدينة أكثر من مرة قي المحمول السردي لهذا النص الروائي ، وينبه بالمقابل أنه لا يجب التوقف فقط عند بعض المتتاليات السردية التي يحضر فيها اسم المدينة بشكله الملفوظي لأن الدرس النقدي يفترض فيه أن يتجاوز ذلك لإضاءة  بعض الجوانب الداجية من حضور المدينة/ الجلفة ، بوصفها “المكان الروائي” كفضاء اجتماعي وجغرافي في أبعاده الإثنية والرمزية والسياقية  لكون “المكان الروائي ” مختلف تماما عن المكان الذي نعرفه فهو ” مكان يخلقه المؤلف في النص عن طريق الكلمات ويجعل منه شيئا خياليا ” ، وفي معرض تحليله النقدي أشار الى الدلالات الهوياتية و الرمزية لبعض الفضاءات المكانية في هذه الرواية / الجلفاوية ،وارتباطها بالبعد المكاني كجزء من صورة المدينة في هذا النص السردي كـ : مقبرة المسلمين أو “الجبانة الخضراء “مقبرة النصارى” “جبانة اليهود” .. حي ديار الشمس .. وغرفة إدريس وغيرها من الفضاءات المكانية التي حفل بها هذا المنجز ، ليخلص في الأخير أن ” المكان الروائي ”  وأسئلته هي علامات دالة على “هوية النص ” ويلفت الانتباه أن الجهود يجب أن تنصب لاستكمال ملف الكتابة الإبداعية الذي مازال بحاجة الى مزيد من الإضاءة في مدونة الإبداع الجلفاوي .

” الدكتورة مريم سعود” :

تحلل ” أوجه الاتفاق بين الفصحى والعامية في اللهجة الجلفاوية 

في معرض مداخلتها أفادت الدكتور مريم سعود من جامعة الجلفة أن أوجه التقارب بين اللغة الفصحى والعامية طاغية في اللهجة الجلفاوية وتتطابق الى حد الاتفاق أحيانا ودللت على ذلك بأمثلة من الملفوظ الشعبي بتطبيقات من التراث المحلي وما تحتفظ به الذاكرة الجلفاوية ، وأكدت الدكتورة أن مفردات المنطقة وما هو متداول يقترب من اللسان العربي الفصيح ونجد له سندا في المعاجم العربية ، كلسان العرب وغيرها .. إذ تعد اللهجة الجلفاوية أسلم اللهجات وأقربها إلى العربية الفصيحة مقارنة بلهجات أخرى تمازجت باختلاف الأنساق اللغوية المنتشرة بالجزائر ، ويمكن اعتبارها سليلة اللغة العربية الفصحى بدليل التطبيقات التي سردتها المتدخلة لبعض الكلمات التي لها جذور أو حتى التي يمكن إيجادها في القواميس والمعاجم وتؤدي نفس المعاني المفردة لها فيها في المخيال واللسان الشعبي ومعظمها كثيرة الاستعمال في منطقة الجلفة ، هذه اللهجة الجلفاوية والتي حتى وان طرأت عليها متغيرات حافظت على تناسبها مع الفصحى بسلاستها وليونتها ، وتقل فيها الكلمات الدخيلة وهو ما يميزها عن غيرها ، وربما ارتباطها بالموروث المحلي كالشعر الشعبي ومحموله ساهم في ترسيخها ، يضاف الى ذلك البيئة والمكان ، باعتبار أن المناسبة تحتفي بالمكان من خلال ذكرى تأسيس مدينة الجلفة ، وهو ما يحتم التوقف عند محطة اللهجة الجلفاوية واتفاقها مع اللغة الفصحى من خلال نماذج وأمثلة دللت عليها المتدخلة في سياق محاضرتها التي تفاعل معها بعض الحاضرين بالإثراء والتثمين ، لتختتم عرضها بالتوصية على وجوب الاهتمام أكثر بالدراسات التي تعنى بهذا الجانب على مستوى المضامين والتراكيب لأن المتمعن في اللهجة الجلفاوية لا يرى انفصام الذات اللغوية عن اللغة الأم ، ومنه فإن تيمة الهوية والمكان بالجلفة ترتبطان ارتباطا وثيقا بالملفوظ واللهجة الجلفاوية التي تتفق وتتوافق إلى حد كبير مع اللغة العربية الفصحى .

“الدكتورعبد الرحمان النوري “:

 يسهب في الحديث عن  ” الجلفة .. تاريخية المكان والإنسان “

تدخل الدكتور عبد الرحمان النوري جاء في موضوع الجلفة / التسمية ، وجذورها وقد عدد الروايات الشعبية التي ترددت بالمنطقة مع المقاربة بينها ، وتاريخية المكان الذي ارتبط بهذه التسمية من منظور فني تحليلي ارتكز على المعطيات التاريخية والميزات المورفولوجية التي جعلت من المكان آهلا بالسكان ، كخصوبة المنطقة وتدافع القبائل القديمة التي كانت مراعيها تقوم على الحل والترحال ، ليعرج على تحليل بعض الكلمات التي توحي إلى تفرد الجلفة بها وبعض التسميات لمناطق تقوم على منابع المياه والآبار وهو ما يوحي بعروبة المنطقة وساكنتها والتعمق في تحليلها لغويا وتراثيا، ساردا تاريخ سكانها من أدارسة وهلالين ، ليقدم إسقاطات اجتماعية من التراث الشعبي والمحلي تعزز ما استند إليه ، ويذكر بما تزخر به الجلفة من آثار ومحطات صخرية في مواقع كثيرة عبر ترابها تختلف باختلاف الحقبات التاريخية ، ما قبل التاريخ والوجود البربري والروماني وشواهده وخلال الاستعمار الفرنسي أيضا ، ليتوقف مطولا عند ” المرسوم الإمبراطوري ” الذي صدر ليرسم الجلفة كمركز لتجمع سكاني ، ويواصل عرضه ليتعمق في العادات والتقاليد التي تعرفها منطقة الجلفة وخصوصية مظاهرها وسلوكات ساكنتها ، ثم يتحدث عن الإنسان الذي استوطن بهذه المنطقة من زاوية انثروبولوجية واجتماعية كما رآها ، ويخلص في الأخير أن الجلفة تتميز عن باقي مناطق الوطن بالمحمول التاريخي والإرث الثقافي والتراثي الذي تزخر به .

الأستاذ المهندس “عيساوي عطية ” :

 يحاضر في ” تباين الأنماط المعمارية .. لمدينة الجلفة “

في ورقة قدمها المهندس الشاب ” عيساوي عطية ” عنيت بإبراز تباين الأنماط المعمارية لمدينة الجلفة ، ما بين العمارة الشعبية والكولونيالية والحديثة ، مسح محطات معمارية كثيرة في ومضات أظهرت الاختلاف والتباين الذي يمكن ملاحظته في أنماط العمارة بمدينة الجلفة من يوم تأسيسها إلى اليوم ، وركز على النمط الشعبي الملاحظ في بعض الأحياء القديمة كحي البرج والبيوتات العتيقة قبل التحولات التي أصابتها ، والنمط الكولونيالي الذي يتجسد ببعض البنايات بوسط المدينة داخل ما يعرف ” بالسور ” وخصائص تلك البنايات من الجانب الفني والعمراني ، مع إشارة للنمط الحديث في العمارة الجلفاوية من ناحية الشكل واللون والخصائص الهندسية ، كما توقف المتدخل عند المساجد ونمطها العمراني وأساليب بنائها وجماليتها التي ترتبط بجوانب روحية /دينية ، فتحدث عن مسجد ” سي بلقاسم بلحرش (مسجد حي البرج) بعاصمة الولاية “ومسجد الراس” بمسعد و” المسجد العتيق ” بالشارف ، في محاولة منه للإضاءة على بعض الجوانب التي تستدعي حسبه إفراد دراسات أكاديمية تقنية من المختصين والمهندسين ومكاتب الدراسات لأجل الحفاظ على الهوية العمرانية للمدينة والاهتمام بها أكثر وهو ما أوصى به في ختام مداخلته .

في الأخير فتح النقاش للجمهور الحاضر في هذه الاحتفالية بذكرى تأسيس مدينة الجلفة ، لتقديم الأسئلة وإثراء المداخلات ، ويسجل مشاركة أعضاء جمعية قدماء الكشافة الإسلامية ( صناع البلاد ) من ولاية الأغواط الذين حضروا رفقة قدماء الكشافة بالجلفة لمشاركة الجلفاويين احتفالهم وقد أضفوا على النشاط حيوية ومتعة بأناشيدهم الوطنية ، ليعطي بعدها الأستاذ براهيمي مختار الكلمة لبعض الوجوه والشخصيات المعروفة باهتمامها بتاريخ المدينة وحضورها الدائم ، فتكون بذلك خاتمة اللقاء الذي جاء متميزا هذه السنة تميز الحدث الذي يجمع الجلفاويين كل مرة وهو تأسيس مدينتهم ، ويؤثثوا بذلك مشهدا جميلا في احتفالهم ، مع الحلم بغد أفضل لها ولساكنتها .